بسم الله الرحمن الرحيم
شاعر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حسان بن ثابت رضي الله عنه يرثي أكمل الخلق وأقربهم إلى الله محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين ، ومن دعا إلى إتباعه ونصرته إلى يوم الدين ...
أما بعد :
لايخفى على القاريء الكريم إن الشعر ديوان العرب والمسلمين ، كما لايخفى أيضا إن أجمل الشعر وأعذبه أصدقه ( وليس أكذبه كما يقول المبطلون ) ، ومن أجمل أنواع الشعر وأكثره حلاوة وطلاوة وأقربه إلى النفس البشرية هو شعر المدح ، وإن أفضل من مُدِحَ في هذا الكون الفسيح هو سيد السادات وخارق العادات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم , وإن أتقن المديح من الشعر في حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو ذلك الشعر الذي نظمه فرسان الجيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم وجعل ذلك في ميزان أعمالهم حيث ناصروه وآزروه وبذلوا الأرواح قبل الكلمات رخيصة لنصرته عليه الصلاة والسلام ، ومن أولئك الغيارى سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه , حيث كانت أبياته رضي الله عنه وأرضاه ولازالت تثير المشاعر والأحاسيس الوجدانية التي تلامس شغاف القلب وتأخذ سامعها إلى عالم ثاني وتملأ وجناته بالدموع ، ومن أجمل ماقال رضي الله عنه وأرضاه حين سمع أبو سفيان رضي الله عنه ( قبل إسلامه) يهجو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويذكره بسوء ، فانتفض إنتفاضة الأسد وزيَّن شعره بسيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم ورطَّب لسانه بذكر حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام ليقول :
هَجَوْتَ مُحَمَّدَاً فأجبتُ عنه وعند الله في ذاك الجزاء
فإنَّ أبي ووالدِهِ وعرضي لعرض محمدٍ منكم وقاء
أتَشْتمه ولست له بكفء ؟ فشرً كما لخير كما الفداء
لساني صارم لاعيب فيه وبــحري مـاتكدِّره الدلاء
وقد قال رضي الله عنه وهو يمدح أم المؤمنين السيدة الفاضلة عائشة رضي الله عنها بعد حادثة الإفك وتبرئتها رضي الله عنها في 11 آية من سورة النور ليبرأ إلى الله مما نسب إليه حينها :
مـهـذبـة قــد طــيّب الله خـيمـها وطهَّرها من كل سوء وباطل
فـإن كنت قد قلت الذي زعــمتم فلا رفعت سوطي إلى أناملي
وكيف وودِّي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زيـن المـحافل
له رتب عالٍ على النــاس كلــهم تقاصـر عنـه سـورة المتطاول
فـإن الــذي قــد قــيل ليس بطائل ولـكنـه قـول امـريء بي ماحل
هذا وإن قاريء شعر حسان بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه لايجد خيرا من القصيدة أدناه في رثائه وفي تعديد صفاته صلى الله عليه وآله وسلم , بل ربما يعتبرها من أحسن مانظم في الإسلام على مرِّ العصور وذلك لتغلغل الروح الإسلامية فيها مع احتفاضها بقوة السبك وجزالة التركيب , ولن نجد بدَّاً من تسجيلها وتدوينها في هذا المنتدى كاملة لتصور نفسها بنفسها ، وليستمتع بها كل محب من محبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، حيث رضي الله عنه وأرضاه :
بطيبة رسم للرسوم ومعهد منير وقد تغفو الرسوم وتمهد
ولاتمتحي الآيات من دار حرمة بها منبر الهادي الذي كان يصعد
وواضح آثار وباقي معالم وربع له فيه مصلى ومسجد
بها حجرات كان ينزل وسطها من الله نور يستضاء ويوقد
معارف لم تطمس على العهد آيها أتاها البلى فالآي منها تـُجدُّدُ
عرفت بها رسم الرسول وعهده وقبرا وقبرا بها واراه في الترب مَلـْحَدُ
ظللت بها أبكي الرسول فأُسعدت عيون عيون ومثلها من الجفن تـُسعد
يذكرن آلاء الرسول وماأرى لها محصيا نفسي فنفسي تبلد
مفجعة قد شفـَّها فـَقـْدُ أحمدٍ فظلت لآلاء الرسول تـُعَدِّدُ
ومابلغت من كل أمر عشيرة ولكن نفسي بعد ما قد توجدُ
أطالت وقوفا تذرف العين جهدها على طلل القبر الذي فيه أحمد
فبوركت ياقبر الرسول وبوركت بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد
وبورك لحد منك ضُمـِّنَ طيبا عليه بناء من صفيح منضَّد
تهيل عليه الترب أيْدٍ وأعينٍ عليه وقد غارت بذلك اسعد
لقد غيـَّبوا حُلـْما وعِلـْما ورحمة ً عشية علوِّ الثرى لا يوسد
وراحوا في حزن ليس فيهم نبيهم وقد وهنت منهم ظهور وأعضد
وهل عدلت يوما رزيَّة هالك رزيَّة يوم ٍ مات فيه محمد
تقطع فيه منزل الوحي عنهم وقد كان ذا نور يغور وينجد
يُدِلُّ على الرحمن من يقتدي به وينقذ من هوْل الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهدا معلم صدق إن يطيعوه يُسْعَدوا
عفوًّ عن الزلات يقبل عذرهم وإن يُحسنوا فالله بالخير أجْودُ
وإن ناب أمر لم يقوموا بحملة فمن عنده تيسير مايتشدد
فبيناهم في نعمة الله بينهم دليل به نهج الطريقة يُقصد
عزيز عليه أن يجوروا عن الهدى حريص على أن يستقيموا ويهتدوا
عطوف عليهم لا يُثنى جناحه إلى كتف يحنو عليهم ويمهد
فبيناهم في ذلك النور إذ غدا إلى نورهم سهم من الموت مقصد
فأصبح محمودا إلى الله راجعا يبكيه حق المرسلات ويحمد
وأمست بلاد الحرم وحشا بقاعها لغيبة ماكانت من الوحي تـُعْـهَدُ
قفارا سوى معمورة اللحد ضافها فقيد يبكيه بلاط وفرقد
ومسجده فالموحشات لفقده خلاء له فيه مقام ومقعد
وبالحجرة الكبرى ثم أوحشت ديار وعرصات وربع ومولد
فابكي رسول الله ياعين عبرة ولاعرف الدهر دمعك يجمد
ومالك ِ لاتبكين ذا النعمة التي على الناس منها سابغ يتغمَّد
فجودي عليه بالدموع وأعولي لفقد الذي لا مثله الدهر يوجد
وما فقد الماضون مثل محمد ولامثله حتى القامة يُفـْـقَدُ
أعفى وأوفى ذمة بعد ذمة وأقرب منه نائلا لا ينكد
وابذل منه للطريف وتالد إذا ضن معطاء بما كات يتلد
وأكرم صيتا في اليوت إذا انتمى وأكرم جدا أبطحيا يسود
وأمنع ذروات وأثبت في العلا دعائم عز ٍ شاهقات تـُشَيَّد
وأثبت فرعا في الفروع ومنبتا وعودا غذاه المزن فالعود أغـْـيَد
ربَّاه وليدا فاستتم تمامه على أكرم الخيرات رب ممجَّد
تناهت وصاة المسلمين بكفه فلا العلم محبوس ولا الرأي يفند
أقوا ولا يلغى لقولي عائب من الناس إلا عازب العقل مُبْعد
وليس هواني نازعا عن ثنائه لعلي به في جنة الخلد أخلد
مع المصطفى أرجو بذاك جواره وفي نيْل ذاك اليوم أسقى وأجهد

اللهم من آذى أو حاول إيذاء نبيك صلى الله عليه وآله وسلم أو رضي بإيذائه من قريب أو بعيد أو قصَّر في نصرة نبيك صلى الله عليه وآله وسلم فأرنا فيه يوما عبوسا أسودا وأرنا فيه يوما كيوم عاد وثمود ، وأشغله في نفسه واجعل كيده في نحره ونحره في كيده حتى يذبح نفسه بيديه , واجعله برة لمن يعتبر إنك على ماتشاء قدير وبالإجابة جدير.